محمدحسن القبيسي العاملي
90
تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي
لذلك لما طلب فرعون الدليل من موسى على صدق رسالته : « فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى » . وعرض عليه أقوى الأدلة ، وهي معجزة عصاه الرهيبة المفزعة . ولكن أنى يفتح فرعون قلبه للآيات ليدخل اليه نور الايمان ، بل تراكمت على قلبه حجب كثيفة من الغرور والتجبر . « فَكَذَّبَ وَعَصى ، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى ، فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى » . تجد الآيات تتسلسل وتتعاقب بسرعة ، لتصور لنا تلك الحالات المتعاقبة لفرعون الطاغية ، . . فإنها اختصرت المراحل . . وطوت الأزمنة لتصل بفرعون إلى أوج الطغيان وذروة التجبر والاستعلاء . . وقد تلاحظ هذا التعاقب السريع بين تكذيبه وعصيانه ، ثم ادباره عن الحق وسعيه لاثبات موقفه الباطل ، ورفعه لصوته بهذا الادعاء الفارغ المتغطرس : « أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى » . كم بلغ من الغرور والطغيان والتكبر مرتبة قصوى . . ولكن اللّه يأخذه وهو في ذروة جبروته وطغيانه ويسقطه من فوق عرشه في قعر جهنم ، بعد ما يغرقه فأخذه اللّه نكال الآخرة والأولى . . هو يقدم هنا نكال الآخرة على نكال الدنيا . ليظل عبرة لكل من يتفرعن ويحمل نفس العقلية والتفكير الفرعوني . . فيكذب بالحق وبآيات اللّه ويسحق القيم والمقدسات تحت رجله ، ويستعلي على الناس إلى درجة ادعاء الألوهية ، وبالتالي ينكر الحشر والمعاد الذي يلاقي فيه جزاء اعماله الفرعونية ، ويعتبر المعاد عملية خالية من النفع والفائدة « تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ » . ما الفائدة من إعادة الانسان إلى الحياة مرة أخرى ونصب الميزان له . . ومحاسبته على اعماله . . بعد ما لاقى الآلام والمصاعب في هذه الحيا . . !